علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

74

الصداقة والصديق

ويألفونه ، ويعيد القول في ذاك ويبدي ، والعوامي لا ينبس « 1 » بحرف ، فقال له الزهيري : إن كنت تسكت استهانة بخطابي عذلتك ؟ فقال العوامي : لا ولكني كما قال إسماعيل بن يسار [ النّسائي ] « 2 » : [ نفس أبيّة ] إني لصعب على الأقوام لو جعلوا * رضوى لأنفي خشاشا لم يقودوني « 3 » نفسي هي النفس آبى أن أواتيها * على الهوان وتأبى أن تواتيني وقال : واللّه ما يفي أنسي بهم بالغداة باستيحاشي منهم بالعشي . [ مداراة الناس ] قال الزهيري : اعلم أن المداراة مطيّة وطيئة ، وروضة موبقة ، ما لبس أحد ثوبها إلّا وجده فضفاضا ، وقد قال صاحب الشريعة صلى اللّه عليه وآله وسلم : « مداراة الناس صدقة » ، وقالت العرب : من لم يدار عيشه ضلّ ، قال العوامي : لو كانت المداراة تثنيهم لي ، أو تعطفهم عليّ كانت مبذولة ، ولكنها مضرّة لهم على ما أنكر منهم ، ومضرّة لي فيما أعرف ، ولا خير في بثّ خير لا يورث خيرا . [ في ثياب صديق ] ورأيت ابن سعدان ينشد يوما وقد أنكر شيئا في بعض الندماء : عدوّ راح في ثوب الصديق * شريك في الصّبوح وفي الغبوق له وجهان : ظاهره ابن عمّ * وباطنه ابن زانية عتيق يسرك ظاهرا ويسوء سرّا * كذاك تكون أبناء الطريق

--> ( 1 ) نبس : تكلم . ( 2 ) إسماعيل بن يسار النسائي شاعر عرف بشعوبيته ، وفد مع عروة بن الزبير على الخليفة عبد الملك بن مروان ومدحه ، عمّر طويلا ومات سنة 130 ه . ويقول صاحب الأغاني 4 / 408 : « وكان طيبا ، مليحا ، مندّرا ، بطّالا ، مليح الشعر ، وإنما سمي إسماعيل بن يسار النسائي لأن أباه كان يصنع طعام العرس ويبيعه » . ( 3 ) الخشاش : مفردها خشاشة وهي العود يجعل في عظم أنف البعير ، وخشّ البعير : جعل في أنفه الخشاش . رضوى : جبل بالمدينة .